الاثنين، 14 نوفمبر، 2011

بعض إسلاميي موريتانيا يملكون دعاية إعلامية أكبر من حجمهم الحقيقي

الدكتور محمد المهدي ولد محمد البشير
متى كان ساركوزي يقاتل جنبا إلى جنب مع الله، وهو لا يؤمن إلا بالثالوث
أثار الدكتور والباحث محمد المهدي ولد محمد البشير العديد زوبعة اعلامية وفكرية طيلة الأشهر الماضية بسبب آرائه الجريئة اتجاه الحركات الإسلامية وبعض التابوهات المحلية ذات الطابع الديني، ولعل من أبرزها تحميله النظام التعليمي المحظري سبب تخلفنا  و حول ما يسمى "الربيع العربي" والتيارات الإسلامية الطامحة للوصول إلى السلطة في أكثر من بلد عربي،كانت آراؤه جريئة كالعادة:...
وكالة أنباء الحرية أجرت لقاءا مع السيد محمد المهدي ولد محمد البشير هذا نصه:

الحرية: وصف الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل ما يحدث في البلاد العربية من ثورات، بأنها لا يمكن أن تكون مقدمة لتغيير شامل في الوطن العربي، بل ذهب إلى درة وصف ما يسمى بالثورات بأنه "سايسبيكو" جديد يهدف إلى تقسيم العرب واستغلال مواردهم، كيف تنظر إلى ما يسمى بـ :"الربيع العربي"، ولماذا التركيز على دول الممانعة؟
محمد المهدي: من أجل أن نفهم الجزء الظاهر من الثورات العربية لا بد أن نقر أولا أن شكل النظام السياسي السائد في العالم العربي شكل متخلف جدا، ينتمي إلى قرون خلت، ولا صلة له بالقرن الواحد والعشرين؛ لأنه يتنافى مع ما وصلت إليه البشرية من تطور في الفكر السياسي، وإيمان بمحورية حقوق الإنسان. ومركزية دور المواطن في تسيير شؤون بلاده، ولا يمكن أن يستمر هذا الشكل من الأنظمة السياسية التي تعطي للحاكم حقا مطلقا يضاهي حق الله تعالى في ألوهيته "فالله واحد لا شريك له في ملكه" والحاكم العربي يريد أن يكون واحدا لا شريك له في ملكه، والله تعالى { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، والحاكم العربي لا يسأل عما يفعل والمواطنون يسألون، لقد حول الحكام العرب المواطنين العرب إلى مجموعة من الأصفار لا قيمة لهم إلا بوجود هذا الحاكم الفرد الذي لم يحقق التنمية، ولم يحرر الأرض، ولم يحافظ على الاستقلال.
من هنا كان لا بد أن تحدث ثورات شعبية عربية على هذه الأنظمة السياسية؛ إن عاجلا أم آجلا؛ لآن الشعوب العربية تعلمت في المدارس النظامية، وقرأت فكر فلاسفة الأنوار، ولم يعد باستطاعة الفقه السلطاني المتخلف أن يحبسها داخل جدران طاعة ولي الأمر، بسلاسل غليظة من بيعة صورية تافهة . أما رأي الكاتب الكبير محمد حسين هيكل فأرى أنه صحيح مائة في المائة، وقد كتبت مقالا منذ تدخل الناتو في ليبيا عن مخطط  المؤرخ الأمريكي اليهودي برنار لويس لإعادة تقسيم العالم العربي، ومع أن محمد حسين هيكل يصر على محورية فكر برنار لويس في المخطط الغربي الجديد الذي يسميه " :"سايكس بيكو جديد، إلا أنه يرى أن "التقسيم في المرة الأولى كان تقسيماً جغرافياً وتوزيع أوطان، ولكن التقسيم هذه المرة تقسيم موارد ومواقع، وبوضوح فإن ما يجري تقسيمه الآن هو أولاً النفط وفوائضه.. نفط وفوائض ليبيا بعد نفط وفوائض العراق " انتهى كلامه.
ومشكلة العرب كما يقول لورانس العرب  في كتابه أعمدة الحكمة السبعة أنهم "يفهمون السياسة الخارجية فهما عشائريا بدويا ، وكانت بريطانيا والفرنسيون يقومون بمناورات جريئة اعتمادا على سذاجة العرب وضعفهم وبساطة قلوبهم وتفكيرهم"، وهاهي بريطانايا وفرنسا تعيدان السيناريو ذاته، وهذا ما تجلى في الثورة الليبية حيث قال أحد فقهاء ثوار ليبيا إنهم لن ينسوا يد مندوبة أمريكا في مجلس الأمن المرفوعة دفاعا عن الشعب الليبي. بينما قال ثائر ليبي آخر بأن "معهم الله وساركوزي" ولا أدري متى كان ساركوزي يقاتل جنبا إلى جنب مع الله، وهو لا يؤمن به أصلا وإنما يؤمن بالثالثوث "الآب والابن وروح القدس" وسمعت شابا إسلاميا موريتانيا يقول بأن ساركوزي حليفهم ويثني عليه خيرا،  ونسي هؤلاء جميعا أن ساركوزي لا صديق له ولا حليف إلا مصالح فرنسا، وإبقائها دولة عظمى مهيمنة على جميع أسباب القوة، ولو أدى ذلك إلى إبادة جميع العرب والمسلمين كما حدث في حرب التحرير في الجزائر، التي ما زال ساركوزي يرفض الاعتذار عن الجرائم التي ارتكبتها فرنسا في هذا البلد.
إذن حكام الدول الغربية ليسوا أنبياء يحركهم الحق وحماية المبادئ، والدفاع عن المظلومين، ويوجههم الدين والأخلاق وحماية حقوق الإنسان، بل هم قادة دول عظمى يتعين عليهم تحقيق مصالح دولهم ولو باسعمال الكذب والخديعة، وكل أنواع القوة للسيطرة على الموارد الإستراتيجية، وإذا كان اعتمادهم في القرن الماضي كان على القوة الصلبة، فإنهم أضافوا إليها اليوم "القوة الناعمة" ومن ذلك التظاهر - كذبا وزورا - بأنهم يساندون الثورات العربية، وهم لا يساندون إلا مصالحهم.   ومن يزعم أن السياسة الخارجية الفرنسية تغيرت وأن فرسا أصبحت بين عشية وضحاها حريصة على مصالح العرب، ومستعدة لتحرير أرضهم، وتمكينهم من ثرواتهم،  وهي التي مزقت وطنهم العربي الواحد إلى ما يزيد على عشرين دولة، رجل ينتمي إلى الماضي بفكره العشائري وفهمه البدوي للسياسة الخارجية، ويجب أن يوضع مع الحكام العرب في المتحف  أنا مع "الثورة" عندما تكون عملا حضاريا يأتي خاتمة مسار طويل من "التثوير" الفكري والثقافي والديني، وضد الثورة التي يكون همها الانتقام من شخص أو نظام على طريق الجاهلية الأولى، الذي هو استمرار لمسلك ابن آدم الأول. والشعب الذي لم تحدث ثورة في فكر أبنائه ونظرتهم إلى الوجود لا يمكن أن يحقق ثورة تعيد كتابة التاريخ.
إنني مع الثورة التونسية التي كانت ثورة شعبية واعية توفرت لها جميع عناصر النجاح؛ ولم تساندها أي جهة أجنبية، ولم يزر تونس إلى اليوم رئيس دولة غربية،  وضد أي ثورة يخطط لها برنار هنري ليفي الفيلسوف الصهيوني الفرنسي المعروف بدفاعه المستميت عن الصهيونية، ويساندها "حكام الغرب" لأن الغرب لم يحرر شبرا واحدا من الأرض العربية،  بل مزق وطننا العربي إلى أكثر من عشرين دولة، واغتضب أرض فلسطين وسلمها للكيان الصهيوني، وكان أول من وعد بإعطاء فلسطين لليهود الامباطور الفرنسي "نابليون بونا برت"، ثم تولت بريطانيا إثم تحويل ذلك الوعد إلى حقيقة.
 
الحرية: شاهدنا بقوة حضور التيار الديني ـ حركات وشعارات ـ في المشهد، ففي مصر مثلا يرى المراقبون أن حركة "الإخوان" ستحصد نتائج الاستحقاقات القادمة، بينما تمكنت حركة النهضة في تونس من نيل تزكية الشعب التونسي، والشعارات نفسها مرفوعة في ليبيا وسوريا، بم تفسر هذه الظاهرة، وهل تعني تراجع المد القومي الذي لم تبق من قلاعه سوى "دمشق" مقابل المد الديني، وما هي الأسباب الكامنة وراء ذلك؟
محمد المهدي: لم اطلع على استطلاعات الرأي في هذا المجال، وأظن أن كثيرا مما يقال عن مصر مجرد تخمينات، أما حركة النهضة فهي ليست حركة دينية بالمعنى الذي يتصوره كثير من الناس، هي حركة وطنية تعتز بالخصوصية التونسية، وتتمسك بالتفسير التونسي للإسلام، وترفض التفسير السلفي والإخواني الوافد على تونس. وتؤمن بالديمقراطية إلى أبعد الحدود وبحرية الإنسان إلى أقصى ما يمكن تصوره فراشد الغنوشي
- يرى أن حرية الاعتقاد أسبق الحريات العامة لأنها بمنزلة القاعدة والأساس، وهي أول حقوق الإنسان، ويقر حرية التعبير مطلقا لكل فرد في الدولة الإسلامية مسلما أو غير مسلم، بمن فيهم أهل الإلحاد، وتشمل هذه الحرية الدفاع عن عقيدتهم والدعوة إليها أو التبشير بها، ونقد غيرها ولو كان الإسلام ذاته"
- ويرى إلغاء حد الردة؛ لأن الردة عنده لا تقام عليها الحدود؛ لأن حق الرد مكفول لمن أراده في الدولة المسلمة، وإنما يمنع من أراد زعزعة الأمن العام.
- يدعو إلى إلغاء الجزية أما عن تراجع المد القومي وصعود المد الإسلام فهذا أمر عادي، فكل فكرة تصلح لفترة زمنية معينة ولا تصلح لفترة أخرى، وكل فكرة تتضمن نقيضها، ولا يستبعد أن يعقب صعود التيارات الإسلامية، صعود تيار ليبرالي. ثم رجوع التار القومي، التاريخ في حركة دائمة لا تعرف التوقف.  
 
الحرية: حاولت القوى التقدمة في الوطن العربي، أن تجمع القوى المناهضة للاستعمار في بوتقة واحدة، ولاحظنا إنشاء معسكر جمع التيار القومي والإسلامي، بل وعقدت مؤتمرات في هذا الشأن في كل من بيروت وطرابلس ودمشق، لكن المفاجأة تمثلت في أن الإسلاميين في ليبيا مثلا تعاونوا مع قوى الاستكبار والإمبريالية، لإسقاط نظام قومي، على أية مرجعية استمد الإسلاميون شرعية هذا الفعل؟
محمد المهدي: الذي يمارس السياسية لا يصنف العالم تصنيفا خلقيا، بل يصنفه تصنيفا واقعيا وفق "فن الممكن" حيث تكون موازين القوة هي الحكم، وفرص التحالف مع هذه القوة أو تلك لتحقيق بعض المصالح  هي الهدف، والإسلاميون ليسوا أنبياء معصومين بل هم بشر لهم أعداء يريدون التخلص منهم، ومصالح يريدون تحقيقها، وطموحات يحلمون بتحققها. والذي يمارس السياسة لا يلقي بالا كبيرا للأخلاق والمبادئ وإنما تهمه المصالح والمنافع.  ثم يأتي الاستشهاد بالنصوص لاحقا.
ومع أنني أتحفظ على مصطلح  "قوى الاستكبار والإمبريالية" باعتباره مصطلحا ينتمي إلى حقبة تاريخية تم تجاوزها، فإن الأنظمة العربية تحالفت مع هذه القوى ذاتها بالأمس القريب لقمع شعوبها، وتحالف معها الثوار اليوم لإسقاط تلك الأنظمة.
أما عن المرجعية التي يستمد منها الإسلاميون شرعية عملهم، فهي تأويلهم الخاص للدين، فلن تعدم طائفة من المسلمين مهما بلغ انحرافها تأويلا دينيا تتكئ عليه في تبرير تصرفاتها. وبعد مضي فترة زمنية يظهر خطأ ذلك التأويل، وشناعة ذلك الاختيار أو يظهر صوابه وقوة بصيرة أصحابه، بل ربما تبين أن الاختيار كان جريمة في حق الوطن وخيانة للشعب، وهذا يترك للزمن.
وأنا على يقين -اليوم - أن من رفض تقسيم فلسطين سنة 1947 أخطأ، وأن من استقدم الأمركان إلى العراق سنة 2003 أرتكب أكبر جريمة وأعظم خيانة في حق الوطن والدين والشعب العراقي والأمة الإسلامية.
 
الحرية: لاحظنا تباينا في تفسير فقه الأولويات من حركة إسلامية إلى أخرى، في ليبيا افتتح مصطفى عبد الجليل خطاب "النصر" بالحديث عن فقه النكاح والبيوع، بينما يرى راشد الغنوشي في تونس أن تطبيق الشريعة ليس أولوية في الوقت الراهن"، بينما حذر البعض من استيراد النموذج التركي المقتصر على وضع المرأة للحجاب، هل لك أن تقدم لنا تعريفا لهذه النماذج وهل هي بالفعل تستمد شرعيتها من نهج "حسن البنا" و"سيد قطب" رحمهما الله؟
محمد المهدي: الشريعة الإسلامية جاءت في صيغة مرنة تتسع لكل الفهوم وتسع جميع أشكال الاجتهاد، ويمكن أن نميز بين ثلاث اتجاهات رئيسة في هذا المجال:
- اتجاه يرى أن الصورة التاريخية التي طبقت في عصر النبوة وفق الشروط الزمانية والمكانية وحسب ظروف البيئة الاجتماعية والثقافية والعلمية التي كانت تحكم تلك التجربة هي صورة الإسلام النهائية، وهذا هو الاتجاه السلفي الذي ينتمي إليه المستشار مصطفى عبد الجليل، وهو اتجاه يتساقط تدريجيا نتيجة تسارع التطور الحاصل في المعارف والعلاقات الاجتماعية.
- اتجاه ينظر إلى مقاصد الشريعة الكلية، ولا يتوقف عند حرفية النصوص، ويفرق بين فلسفة التشريع وبين التطبيق التاريخي للإسلام، فيلتزم بمقاصد الشرع، ولا يتقيد بصورة التطبيق التاريخي بما في ذلك ما وقع في عصر النبوة، وإلى هذا الاتجاه  ينتمي راشد الغنوشي، فقد قال عن استخلاف الحاكم لمن يحكم بعده:" ويشعر المرأ بالقرف من استمرار العفن قائما في تراثنا الديني وفكرنا السياسي، ويضع يده مباشرة على هذه الألغام التي قوضت حضارة الإسلام وأسلمتنا إلى الإنحطاط" وصديقه حسن الترابي الذي يقول:" ولم تعد بعض صور الأحكام التي كانت تمثل الحق في معيار الدين منذ ألف سنة تحقق مقتضى الدين اليوم"، عند هذا الاتجاه تصبح "الحدود" مجرد وسيلة للردع لا تراد لذاتها، مما يفتح المجال لإلغائها ووضع وسائل قانونية جديدة للردع. ويصبح الربا شكلا من أشكال استغلال الغني لحاجة الفقير، ولا صلة له بالمعاملات البنكية.
- اتجاه ثالث يتبنى أصحابه العلمانية في تسيير شؤون الدولة، ويتشبثون بالإسلام في حياتهم الشخصية، وهذا هو نموذج حزب العدالة في تركيا.
 
الحرية: الحديث عن الحركات الإسلامية في البلدان العربية يدعونا لتسليط الضوء على واقع الحركة محليا، هل تعتقد أنها سايرت شقيقاتها، سلوكا وتطبيقا، وهل هي قادرة على تحقيق نفس الزخم وكسب نفس النتائج؟
محمد المهدي: الحركة الإسلامية في موريتانيا تتشكل من أربع مجموعات:
- السلفية الجهادية وهي تشبه الجماعة الليبية المقاتلة من حيث إيمانها بضرورة اعتماد الجهاد وسيلة للتغييرالحضاري، وهذه الجماعة لا تمثل الآن خطرا كبيرا قد يقوض النظام القائم في  البلاد؛ إلا أنها في المستقبل البعيد قد تصل إلى ما وصلت إليه الجماعة الليبية المقاتلة من القوة؛ لأنها بدأت سنة 1994 بأربعة أشخاص، لتصل سنة 2004 إلى عشرات الشباب، وتتجاوز هذه السنة 2001، مئات الآشخاص، وعندما يصبح عدد أفرادها بالآلاف ستبدأ المشاكل.
- السلفية العلمية وهي تتمدد بشكل بطيئ، وتعمل بعيدا عن وسائل الإعلام.
- جماعة الدعوة والتبليغ وهي لا تمثل خطرا على النظام الحاكم، بل ربما تمثل سندا له  بسبب ما تنشره من فكر سلبي.
- جماعة الإخوان المسلمين أو حزب "تواصل" وهي جماعة تملك دعاية إعلامية أكبر من حجمها الحقيقي، وقد شاركت في كثير من الاستحقاقات الانتخابية، أبرزها ثلاث استحقاقت هي: التشريعية 2006، والرئاسية 2007، والرئاسية 2009، وأظهرت هذه الاستحقاقات أن شعبية هذه الحركة لا تتجاوز 5 %.
ولا أحسب أنها ستحقق أي مفاجئة انتخابية في المستقبل القريب، بل أرى أنها إذا لم تراجع أساليبها في العمل السياسي، وإستراتيجياتها، وتذبذب مواقفها السياسية، وعاطفيتها، وقابليتها للاستدراج إلى المعارك الجانبية، وقدرتها العجيبة على استعداء الأصدقاء، وفقدان المتعاطفين، وخسارة الحلفاء المحتملين فإن شعبيتها ستتراجع. وإن كانت قادرة على خلق كثير من المتاعب للنظام الحاكم إذا أحسنت التحالف مع خصومها؛ لأنها تملك وسائل مادية وبشرية تستطيع تحريكها في كل وقت.
الحرية نت

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق