الأحد، 1 أبريل، 2012

إستشهاد الأمير المجاهد بكار ولد سويد احمد ،كبولاني ينجح في التخلص من أحد أهم أعمدة المقاومة في بلاد شنقيط غدرا

في 26 محرم 1322هـ 13 ابريل 1905م أغار النقيب افريرجان على مخيم الأمير بكار عند موضع "بوقدوم" في الرقيبة" وكان مقاتلوا إدوعيش في ذلك الوقت خارج المخيم، وجرت مناوشات خاطفة جرح خلالها الأمير بكار وتوفي بعد ذلك بثلاث ليال.
وقد تحدث افريرجان في مذكراته عن الخطة التي رسمت لمقتل بكار فقال: "يوم 25 مارس 1905م استدعاني المندوب كوبولاني وشرح لي الوضع الحقيقي، قائلا: إدوعيش لم يذهبوا حسب ما يبدو بعيدا كما كنا نقول، لقد تمت الإشارة إلى أنهم مازالوا قرب "كيفه" على ...
هضبة صخرية في "الرقيبة" مازالوا إذا خطيرين، ويمكن أن يدخلوا إلى "تكانت" عندما تبتعد البعثة إلى الشمال، هذا يعني أنهم يهددون المكاسب التي تم تحقيقها، يجب إذ إبعادهم عن دائرة الإزعاج لمدة طويلة، بتسديد ضربة مدوية لهم، رسم لي كوبولاني خطا للحاق بهم، على أثناء الزحف أن استطلع بالضبط النقطة التي يوجد بها إدوعيش. تم إشعاري بأن هؤلاء كانوا في "بومحن الدرحه" وفي 22مارس بين أناشيش "أفله" و"العصابه" على بعد 50 كلم من "كيفه" وأنه يحتمل أثناء استطلاعي أن ألتقي بهم أو أهاجم من طرفهم.في كلتا الحالتين لدي أمر بدحرهم شرقا دون أن أعرض الجيش الذي تحت إمرتي لإخفاق إذا علي أن أبحث عن إدوعيش وأهزمهم ما أمكنني ذلك للبحث عنهم أعانني كوبولاني بجاسوسين موثوق بهما، ومتحمسين ضد الأمير بكار، أحدهم محمد ولد الجابر، والآخر البشيرمن سكان المنطقة.
عند الساعة الخامسة صباحا كان الهلال قد طلع، وعاد رجالي (قوميات) وهم يحثون السير لاهثين ليخبروني أن معظم "إدوعيش" يوجدون في عين المكان قريبا منا، وأن الأمير بكار في الحي، وأخبرني أحمد يوره وهو من "القوميات" التابعين لي، أنه شرب الشاي مع الأمير بعد أن قدم له نفسه باعتباره مرابطا ضعيف الحال، ثم تسلل عائدا إلى رفاقه المترصدين غير بعيد. ولا شك أن بكار الآن قد خامره بعض القلق وربما كان قد أعطى إشارة الاستنفار، مما يقتضي منا التحرك بسرعة وهكذا صرخت (في رجالي): "سلاح" ثم أردفت : "إدوعيش" لقد كان لابد من استثمار فرصة هذا التنبيه الموقظ، أمرت الرقيب "مارين" بتشكيل قوة احتياط من أربعين سينغاليا ومعهم الرشاشة، وكلفته بمتابعتي على بعد 500 مترا تقريبا... ثم وضعت في المقدمة رجالي من "التوكولير" والبيضان (المور)... وكلفت بعضهم بإمساك الجمال خلف خط الهجوم الذي كان يتكون من 130 بنقدية، وكلنا نتقدم بسرعة خلف الدليل "ولد الجابر".
وعندما وصلنا مسرعين ومقتربين بأقل من نصف كيلومتر من مرتفع صخري يخترقه في وسطه ممر صغير، رأيت كثيرا من الجمال وهي تتزاحم دائرة في كل اتجاه والناس يتدافعون في اضطراب.
كان ضوء الشمس كاد يظهر، وكنت أرى إلى اليمين فرسانا يبتعدون مسرعين، إنهم بلا شك يريدون إنذار الأحياء المجاورة في تلك الوجهة، ومن الواضح أن المفاجأة لم تكن كاملة، حيث لم تكن طلقات رصاصنا هي التي توقظ العدو، لكن مهاجمة هؤلاء الناس المذعورين بعنف واندفاع سيكون له مفعول كبير.. أحطنا بالمرتفع وسيطرنا على الممر الضيق وقذفنا في نفس الوقت بخمس أو ست رشقات من الطلقات النارية التي انهمرت صببا على الخيام وإلى الأسفل منها من مسافة تقل عن 20 مترا.
اشتد التدافع بين الجمال التي سبق أن رأيناها والنساء الذين كانوا حولها، وأطناب الخيام التي كان الكل يرتطهم بها في شكل دوامة يختلط فيها الحابل بالنابل...
وكان الكثير خمس أو ست دقائق من الفوضى، ومع تفوق موقعنا وأسلحتنا النارية.. أدى الهجوم العنيف الذي نفذه رجالي إلى طرد العدو من الغيضة.. كانت رمايتنا، في بداية الاشتباك من مسافة قريبة، ذات فعلية رهيبة".
ويضيف "فريرجان" وكان الأمير بكار ولد سويد أحمد قد ترك في حكم الميت بين خيمتين وكانت اثنتان من بناته حيتين وفي متناولنا وكانت البنتان تخافان أن نقطع رأس أبيهما، وقد شكل سلوكنا بالنسبة لهما مفاجأة كبيرة".
ويمضي "فريرجان" قائلا: "كان بكار قد خرج من خيمته محاولا الهرب عند وثبتنا الهجومية الأولى، وقد تجاوزناه دون أن نراه، وعندما كان أحد رجالنا وهو المدعو أعمر ولد بوبكر منشغلا بتجميع الخيل التي بقيت في الحي سليمة لاحظ عملاقا يبتعد منه متثاقلا (كانت قامة بكار مترين وقد أصيب بجرح)، فصاح عمر ولد بوبكر: "يا هذا  ألست بكار؟" فما كان جواب الشيخ بكار إلا أن قذفه بطلقة من مدفعه فرد أعمر بطلقة أردت الأمير صريعا، قبل أن يصوب أبيليد ،أحد الكوميات بندقيته نحو الأمير وأفرغها في كليتيه عن كثب، واستولي أعمر على مدفع الأمير الذي كان يتوسل راجيا أن يجهز عليه، دخل أعمر خيمة قريبة، حيث استولى على طابع الأمير، ثم وضع بساطا على جسد الشيخ الذي كان يتنفس بصعوبة هكذا وجدته".
أما رواية إدوعيش عن استشهاد الأمير بكار فتقول إن مخيم بكار كان خاليا من المقاتلين وقت هجوم الفرنسيين على الحلة، وأن بكار أصيب في فخذه وتوفي بعد جرحه بثلاث ليال، يقول عبد الرحمن بن الأمير بكار: "نزلنا موضع بوقادوم، وفيه أغار علينا النصارى بغتة دون أن نعلم بهم، والحال أن أكثر الناس لم يكن موجودا في الحلة التي كان فيها آنذاك القليل من الناس، فلما أغاروا على الحلة أصابوا الأمير بكار في فخذه خلال القصف العشوائي، ولما علمنا بالغارة وكنا خارج الحلة، انطلقت أنا وفارسان كانا معي واقتربنا من الحلة حيث التقينا ببعض النسوة، فقلن لنا: بكار توفي منذ وقت قصير ولا حاجة لكم بالقدوم على العدو والهدف عند النسوة وهو إرجاعنا عن المغيرين، عندئذ رأتنا القوات المهاجمة فشرعوا في إطلاق النار علينا فرجعنا، متحرفين عن القتال حتى دخلنا الغابة اتقاء للقصف الذي نواجهه، ثم بعد ذلك توجهنا إلى سفح الجبل، وانضم إلينا عدد من الفرسان من بينهم عثمان بن بكار، فلم ألبث أن رأيت فارسين يركضان نحو العدو ويطلقان الكثير من الرصاص، ثم يكران راجعين فتوجهت لالتحق بهما فما أن وصلتهما حتى بدأ العدو في الانسحاب بعد أن أخذوا الأمتعة والأثاث، فانطلقنا في أثرهم فمررت أثناء ذلك بالمخيم فإذا ببكار مضجع على جنبه وقد أصيب في فخذه، وبعد هنيهة جاءني فارسان هما بناهي بن محمد بن اعلي من أهل أسويد والآخر هو الذي بن سيدي الأمين من الشراتيت ونحن والشراتيت آنذاك متحدان وفي خندق واحد، ثم توافد علينا العديد من الفرسان". وأضاف عبد الرحمن: "وما إن جلست إلى جانب بكار حتى رأيت جملا فقمت أركض نحوه، فأخذته وأتيتهم به وجعلت عليه مجملا، وعندما أردنا حمله ووضعه على المحمل قال لنا بكار – وهو يعاني من كسر في فخذه شدوا ساقي مع فخذي بوثاق، وأضجعوني على جنبي واجعلوا أحدا وراء ظهري يمسكني واتركوا الجمل يسير بين الذملان والوخد فذلك أرفق بجرحي ففعلنا له ما أراد ورافقه بعض الفرسان أما أنا فقد سرت مع طائفة في أثر العدو، فوجدناهم نزلوا نفس اليوم عند "تامورت" تسمى "بيبط في "الرقيبة" فراقبناهم عن بعد، وتسللت نحوهم لأقتل منهم أحدا، فصادفت قطيعا من البقر لأهل أعمر بن بكار كان من بين المواشي التي نهبوها، فاستوليت عليه، فلما رأوني سقت القطيع أطلقوا على النار فجعلت أعدو خلف القطيع حتى أوصلته لجماعتي وأخذنا منه ثورا فذبحناه، وأرجعنا البقية للمخيم، ثم تابعنا السير في طلبهم بعد أن انتصف الليل فوجدناهم صبيحة اليوم الثاني مروا ببئر "بوملانه" واستقوا منها ثم هدموها، وكنا ننوي أن نستقي من البئر فلما وجدناهم هدموها وقد أخذ العطش منا، قررنا الرجوع إلى المخيم، وبعد ثلاث ليل توفي بكار"، وذكر عبد الرحمن: "أن الفرنسيين، المهاجمين خلال تفتيشهم للمخيم وجدوا بكار بعد إصابته ولم يعرفوا أنه هو وسألوه قائلين من أنت؟ فقال لهم: لماذا تسألون، أنا مؤمن بالله، ومعاد لكم وكاره لكم فاقتلوني فقال لهم محمد بن اللب، وكان في الحملة مع فريرجان، هذا شريف مع أهل سويد أحمد، ولا حاجة لكم بقتله، فتركوه وانسحبوا".
رواية عبد الرحمن أقرب إلى الصواب، فقد شهد الواقعة وليست لديه دوافع تدفعه لقول غير الحق في هذا الأمر.
وحدثني السيد هميمد بن بوبكر أنه حدثه حمما بن الحبيب وكان في الحملة التي أغارت على مخيم بكار: "أن بكار أصيب في فخذه جراء إطلاق النار، بطريقة عشوائية، وأنه أثناء تفتيش الفرنسيين عن بكار وجدوه تحت خيمة، ملقاة  عليه، فالتفت بكار عليه يقول حمم وقال له: إن كنت من العرب فأناشدك بدم العرب أن تجهز علي وتزهق روحي، فرد عليه: والله لا أفعل، حبذا لو أعطيتك روحي، فكيف أجهز عليك وأقتلك، فقال بكار: ليت النصارى أجهزوا علي فأزهقوا روحي فإني أكره الإهانة، لاسيما من النصارى، وما جرى لي إهانة كبرى.
وأضاف حمما أنه خلال قصف فريرجان العشوائي للمخيم أصيبت امرأة برصاصة في فكها، هي بنت الزوين بن شيبة، كانت تصلي أمام خيمتها، كما أصابوا بعض الأطفال والدواب".
إذا تأملنا رواية فريرجان التي وصف فيها مقتل الأمير بكار، نجدها جد مغرضة وتهويلية، فقد ذكر أن بكار حين خروجه من خيمته كان جريحا، وأن أحد المجندين ويدعى "أعمر" قد أصاب بكار بطلقة أسقطته أرضا، وأن ابيليل بدوره قد أفرغ بندقيته في كليتي الأمير، وعادة هذه الإصابة التي وصف افريرجان يموت صاحبها فورا.
في اليوم الذي استشهد فيها الأمير بكار كان الشيخ حسنا بن الشيخ ماء العينين يقوم بجولة في نواحي "الرقيبة" و"تكانت" في إطار تنسيق الجهود مع إمارة إدوعيش في شأن الجهاد، وذكر سعد خليل أن :"الشيخ حسنا كان موجودا بين رجال قبيلة إدوعيش في يوم "بوكادوم" وتمكن حينذاك من العودة بسرعة إلى آدرار".
إلا أن الذي تواتر لدى الثقاة هو أن الشيخ حسنا بن الشيخ ماء العينين يقوم بجولة في نواحي "الرقيبة" و"تكانت" في إطار تنسيق الجهود مع إمارة إدوعيش في يوم "بوقدوم" وتمكن حينذاك من العودة بسرعة إلى آدرار".
ولم يكن حاضرا استشهاد الأمير بكار ولكنه كان مع الأمير قبل ذلك بأيام.
ويذكر الباحث سيد عمر ولد شيخنا أن الذي منع الفرنسيين من التمثيل بجثة الشهيد الأمير بكار ليس إنسانيتهم كما يزعم فرير جان وإنما هو تدخل بعض قادة كوميات  خاصة شيخنا ولد داداه الذي حذر فريرجان من عواقب ذالك التصرف علي معنويات كوميات البيضان المنضوين تحت لواء الحملة الفرنسية.

ـ المصادر:الشيخ ماء العينين علماء وأمراء في مواجهة الإستعمار الأوروبي،للمؤلف الطالب خيار ولد الشيخ مامينا
 ــ الباحث والمؤرخ سيد عمر ولد شيخنا
بتصرف طفيف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق